سيد محمد طنطاوي
27
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم ، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب . . . وقال الحسن وقتادة : البروج : النجوم ، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها . . . وقيل البروج : الكواكب العظام . . . « 1 » . قال بعض العلماء ومرجع الأقوال كلها إلى شيء واحد ، لأن أصل البروج في اللغة الظهور ، ومنه تبرج المرأة ، بإظهار زينتها ، فالكواكب ظاهرة ، والقصور ظاهرة ، ومنازل الشمس والقمر كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه . . « 2 » . و * ( جَعَلْنا ) * أي خلقنا وأبدعنا ، فيكون قوله * ( فِي السَّماءِ ) * متعلقا به ، وجوز أن يكون بمعنى التصيير ، فيكون قوله . في السماء . متعلقا بمحذوف على أنه مفعول ثان له و * ( بُرُوجاً ) * هو المفعول الأول . أي : ولقد خلقنا وأبدعنا منازل وطرقا في السماء ، تسير فيها الكواكب بقدراتنا ، وإرادتنا ، وحكمتنا ، دون خلل أو اضطراب . وفي ذلك الخلق ما فيه من منافع لكم ، حيث تستعملون هذه البروج في ضبط المواقيت وفي تحديد الجهات ، وفي غير ذلك من المنافع ، كما قال - تعالى - هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ، والْقَمَرَ نُوراً وقَدَّرَه مَنازِلَ ، لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ ، ما خَلَقَ اللَّه ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ « 3 » . وافتتح - سبحانه - الآية الكريمة بلام القسم وقد ، تنزيلا للمخاطبين الذاهلين عن الالتفات إلى مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - منزلة المنكرين ، فأكد لهم الكلام بمؤكدين لينتبهوا ويعتبروا . والضمير في قوله * ( وزَيَّنَّاها . . . ) * يعود إلى السماء . أي : وزينا السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والأضواء ، لتكون جميلة في عيون الناظرين إليها ، وآية للمتفكرين في دلائل قدرة اللَّه - تعالى - وبديع صنعه . وهذه الجملة الكريمة ، تلفت الأنظار إلى أن الجمال غاية مقصودة في خلق هذا الكون ، كما
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 9 . ( 2 ) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 121 الشيخ محمد الأمين الشنقيطي . ( 3 ) سورة يونس الآية 5 .